محمد حسين علي الصغير

43

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

حدب الأدب الجاهلي على إعطاء نماذج حية في هذا المضمار ، تجده متناثرا في المعلقات السبع شعرا ، وفي الخطابة والسجاعة نثرا ؛ وكتب الحماسة والأدب قبل الإسلام ، ومنتخبات الإعلام كالضبي والأصمعي وابن الشجري ، وأمالي المصنفين كالمرتضى والقالي ، غنية بأصول هذا الفن وإرهاصاته التأريخية ، نجد فيها إشاعة الحياة في الجماد ، وإضافة الحس إلى الكائنات ، فتجاوزت بذلك حدود الحقيقة العرفية إلى مناخ أوسع شمولا ، وأبلغ تعبيرا ، وأدق إرادة . يقول المرحوم عباس محمود العقاد : « فاللغة العربية لغة المجاز ، لا لأنها تستعمل المجاز ، فكثير من اللغات تستعمل المجاز كما تستعمله اللغة العربية ، ولكن اللغة العربية تسمى لغة المجاز لأنها تجاوزت بتعبيرات المجاز حدود الصور المحسوسة إلى المعاني المجردة ، فيستمع العربي إلى التشبيه فلا يشغل ذهنه بأشكاله المحسوسة إلا ريثما ينتقل منها إلى المقصود من معناه ، فالقمر عنده بهاء ، والزهرة نضارة ، والغصن اعتدال ورشاقة ، والطود وقار وسكينة » « 1 » . وكان التحرر من الضيق اللفظي ، والانطلاق في مجالات الخيال ، والتأثر بالوجدان ، والحنين إلى العاطفة ، والاتساع في اللغة أساس هذا الاستعمال . يقول ابن قيم الجوزية ( ت : 751 ه ) . « فإن المعنى الذي استعملت العرب المجاز من أجله ميلهم إلى الاتساع في الكلام وكثرة معاني الألفاظ ليكثر الالتذاذ بها ، فإن كل معنى للنفس به لذة ، ولها إلى فهمه ارتياح وصبوة ، وكلما دق المعنى رق مشروبه عندها ، وراق في الكلام انخراطه ، ولذّ للقلب ارتشافه ، وعظم اغتباطه ، ولهذا كان المجاز عندهم منهلا مورودا عذب الارتشاف ، وسبيلا مسلوكا لهم على سلوكه انعكاف ، ولذلك كثر في كلامهم حتى صار أكثر استعمالا من الحقائق ، وخالط بشاشة قلوبهم حتى أتوا منه بكل معنى رائق ولفظ

--> ( 1 ) العقاد ، اللغة الشاعرة : 40 .